ترى الكاتبة هادلي جامبل في بداية تحليلها أن التحولات الجارية في الشرق الأوسط لا ترتبط فقط بأزمة أمنية مؤقتة، بل تشير إلى إعادة صياغة واسعة لمعادلات الطاقة والتجارة الإقليمية. وتوضح أن إغلاق مضيق هرمز لم يخلق أزمة إمدادات عالمية فحسب، بل دفع دول المنطقة نحو بناء شبكات جديدة للنقل والطاقة قد تعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية للشرق الأوسط.


وتوضح ذا ناشيونال أن الحرب مع إيران خلقت واحدة من أكثر الصدمات تأثيرًا في أسواق الطاقة الحديثة. فبينما أدت أزمة الحظر النفطي عام 1973 إلى خروج نحو 4.5 ملايين برميل يوميًا من السوق العالمية، عطّل إغلاق مضيق هرمز في عام 2026 أكثر من 20 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي للنفط. وأدى ذلك إلى اضطرابات امتدت إلى أسواق الوقود والبتروكيماويات والغذاء، مع ارتفاع تكاليف الشحن وتأخر الإمدادات العالمية.


ممرات برية جديدة تعيد تشكيل المنطقة


أطلق تعطّل الملاحة في مضيق هرمز موجة تحركات إقليمية لإحياء مشروعات خطوط الأنابيب وشبكات النقل التي ظلت متعثرة لسنوات. وسارعت دول الخليج والعراق والأردن وسوريا ومصر إلى تسريع خطط إنشاء ممرات برية بديلة تقلل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة.


ويشير التحليل إلى أن هذه الخطوات لا تستهدف مواجهة الأزمة الحالية فقط، بل تسعى إلى خلق نموذج جديد للتكامل الاقتصادي الإقليمي. فبدلاً من اعتماد تجارة الطاقة على نقاط بحرية ضيقة وحساسة، تتجه المنطقة نحو شبكة مترابطة من خطوط الأنابيب والطرق البرية التي تمنح الدول قدرة أكبر على مواجهة الأزمات المستقبلية.


وتقود الإمارات والسعودية هذا التحول. إذ تسرّع الإمارات توسيع خط أنابيب جديد نحو الفجيرة، بينما تعتمد السعودية بصورة أكبر على خط الأنابيب الشرقي الغربي المؤدي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. ورغم أن هذه المسارات لا تستطيع تعويض النقل البحري بالكامل، فإنها تضمن استمرار تدفق الإمدادات وتقليل أثر الصدمات.


سوريا والأردن والعراق في قلب التحول الجديد


أصبحت دول المشرق العربي جزءًا رئيسيًا من هذه الخريطة الناشئة. فقد عززت مصر وسوريا التعاون في قطاع الطاقة عبر اتفاقيات لتزويد سوريا بالغاز الطبيعي والمنتجات النفطية، في خطوة تمنح القاهرة دورًا أكبر في شبكة الطاقة الإقليمية الجديدة.


وفي الوقت نفسه تعيد الدول تقييم مشروع خط الغاز العربي الذي يمتد من مصر مرورًا بالأردن إلى سوريا ومناطق أخرى، بهدف رفع طاقته الاستيعابية وربطه بمسارات أوسع تمتد نحو تركيا وشرق المتوسط.


وتسعى سوريا إلى استعادة دورها بوصفها دولة عبور تربط الخليج بالبحر المتوسط، بينما يواصل الأردن توسيع مشروعات خطوط النفط والغاز مع العراق ودول المنطقة. ويمنح هذا التوجه بغداد فرصة للوصول إلى البحر المتوسط بعيدًا عن الاعتماد الحصري على مسارات أخرى.


الشرق الأوسط يدخل مرحلة جيوسياسية جديدة


تكشف الأرقام حجم التحول الجاري. إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية حدوث عجز عالمي في الإمدادات يصل إلى 1.78 مليون برميل يوميًا خلال عام 2026 بعد أن كانت التوقعات تشير إلى فائض سابقًا.


وفي ظل هذه المعطيات، يكتسب كل برميل نفط يصل عبر خطوط الأنابيب البرية أهمية استراتيجية متزايدة. كما لم تعد الممرات البرية مجرد حلول مؤقتة مرتبطة بالحرب، بل أصبحت جزءًا من واقع اقتصادي جديد تدفعه تكاليف التأمين المرتفعة واضطرابات النقل البحري.


ويخلص التحليل إلى أن الشرق الأوسط يتحرك نحو إعادة تنظيم شاملة لمنظومة الطاقة والتجارة، حيث تتحول خطوط الأنابيب وشبكات النقل البرية إلى أدوات جيوسياسية لا تقل أهمية عن حقول النفط نفسها، بما قد يخلق خلال السنوات المقبلة محورًا اقتصاديًا جديدًا يربط الخليج بالمشرق العربي.

 

https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2026/05/20/hormuz-blockage-is-forging-a-new-overland-energy-map-for-the-middle-east/